محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
698
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 164 ] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 164 ) النظم [ و ] النزول لمّا قدّم ذكر التوحيد بنفي الأنداد وإثبات الرحمة على جميع العباد ، وذلك وإن كان أمرا مفطورا عليه إلّا أنّه يشبه دعوى عارية عن البرهان ؛ فعقّب ذلك بذكر آيات الخلق ليتبيّن بالبرهان أنّه لا إله إلّا هو . روي عن أبي الضحى أنّه قال : لمّا نزل قوله : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ قال المشركون : إن كان كما قال فليأتنا بآية وبرهان ؛ فأنزل اللّه : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . التفسير [ و ] المعاني وروى ابن أبي نجيح عن عطاء قال : لمّا نزلت هذه الآية بالمدينة قال كفّار قريش بمكّة : كيف يسع الناس إله واحد ، فأنزل اللّه : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ ، وقال سعيد بن جبير والسدّي : قال كفّار قريش : غيّر لنا الصفا ذهبا ؛ فأوحى اللّه تعالى إلى نبيّه - صلّى اللّه عليه وآله - : إنّي أعطيهم ذلك إلّا أنّهم إن كذبوا بعده أعذبهم عذابا لم أعذبه أحدا من العالمين ؛ فقال النبيّ ذرني وقومي ، فأدعوهم يوما بيوم ، فأنزل اللّه : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية ؛ وقال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « قد سأل الآيات قوم قبلكم فأصبحوا بها كافرين » وهذا معنى قول الضحّاك ومقاتل . قال أهل المعاني : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ أي في إنشائها وإبداعها آيات ، والآيات هي العلامات والأدلّة ، بمعنى أنّ [ من ] تدبّرها وتأمّل إحكام صنعتها تبيّن له أنّ لها خالقا حكيما عليما ، وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « ويل لمن قرأ هذا الآية فمجّ بها » 36 أي لم يتفكّر فيها ولم يعتبر بها .